العودة للخلف

(السادس) شهر القيام

تاريخ النشر: 20 / 02 / 2026
: 1

شهر القيام

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ لِقيام الليل في شهر رمضَان مزيّة وخصوصية حيث يُشرع للمسلمين القيام جماعة في المساجد، وهي مِن شعائر رمضان.

ففي الصحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»([1]).

وفي رواية لمُسلم: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا».

وفي سُنن أبي داود وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه أنَّ النبي قام بهم ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان، قال: «حتى خَشِينا أنْ يفوتَنا الفلاحُ -أي السّحور-»([2]).

وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب عن عروة عن عبدالرحمن القاري أنه قال: «خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ» ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ»([3]).

قال سماحةُ الشيخ ابن باز رحمه الله: «جمْعُ الناس على إمامٍ في رمضان سُنةُ فعلَها النبيُّ ﷺ عدَّة ليالي، ولكن تركَ ذلك خوفَ أنْ تُفرضَ على الناس صلاةُ الليل فلا يُطيقونها، فلما توفي ﷺ انقطع الوحي، وأُمن الفرض، فلهذا فعلَ ذلك عمر رضي الله عنه، فهي سُنة مؤكَّدة فعلَها نبيُّنا ﷺ، ثمَّ فعلَها المسلمون في عهد عُمر وبعده، فدلَّ ذلك على أنها سُنة بقول النبي وفعله عليه الصلاة والسلام. قال ﷺ: «مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

فهذا يدل على شرعية التراويح وأنها سنة مؤكدة، وأنها تفعل جماعة في أول الليل، هذا هو مقتضى الأحاديث وفعل النبي ﷺ وفعل الصحابة رضي الله عنهم»([4]).

وقد وردتْ فضائل كثيرة للقيام في رمضان:

من ذلك: قوله : «إنَّ الرجلَ إذا صلَّى مع الإمام حتى يَنصرف حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ»([5]).

وهذا الحديث عظيم الفائدة كبير البُشرى، لمن يُحافظ على قيام الليل مع إمامِه حتى يَنتهي منها، أنْ يُكتبَ له أجرُ قيامِ ليلةٍ.

ومن فضائل قيام رمضان: كونه سببًا لمغفرةِ الذُّنوب.

كما قال النبي : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([6]).

ومن فضائله: أنه شرفُ المؤمن.

كما قال النبي : «شرفُ المُؤمن صَلاتُه بالليل»([7]).

ومن فضائل القيام: قوله : «عَليكُم بقيام الليل فإنَّه دأبُ الصَّالحين قَبلكُم، وهُو قربةٌ إلى ربِّكم، ومُكفرةٌ للسَّيئات، ومنهاةٌ عن الإثم»([8]).

ومن فضائل قيام رمضان: ما أخرج ابنُ خزيمة وابن حبان وغيرهما عن عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ الْجُهَنِيَّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فقال: يارسول اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ فَمِمَّنْ أنا؟ قال: «من الصِّديقِينَ والشُّهداء»([9]).

ومما ينبغي للقائم في رمضان: أن يتحرّى القيام مع الجماعة حتى يَنصرف الإمام، وأنْ يُخلص النيةَ لله تعالى، وأنْ يُحافظَ على قيام جميع الليالي حتى يظفرَ بالثواب الجزيل، وأنْ يجتهدَ في العشر الأواخر أكثر، وأن يتعلَّم من أحكامها وأذكارها، وأن يجتهد في الدعاء في قيام الليل.

قال سماحةُ الشيخ ابن باز رحمه الله: «وينبغي للمؤمن أنْ يعتني بالخشوع في الركوع والسجود، والطمأنينة، لأنَّ بعض الناس في التراويح يصلي صلاة لا يعقلها بل ينقرها نقرًا، ويقرأ قراءةً لا تُعقل ولا تُفهم مِن العجلة، فلا يجوز هذا بل هذا منكر، والمشروع للمؤمن دائما أن يتحرَّى الأكمل والأفضل في صلاته وفي سائر أفعاله، والصلاة هي عمود الإسلام، وهي أول شيء يحاسب عنه العبد يوم القيامة، فالواجب أن يُعنى بصلاته وأنْ يُحافظ عليها وأنْ يطمئنَّ فيها، فإن الصلاة التي تُنقر لا صِحَّة لها ولا يَجُوز فعلها، بل يجب أن يطمئن في صلاته كلها فرضها ونفلها حسب ما جاء في الشريعة المطهرة، وقد رأى النبي ﷺ شخصًا يُصلِّي ولم يطمئنّ في صلاته فأمرَه أنْ يُعيدَ الصلاة، فدلَّ ذلك على أنَّ الطمأنينة أمر مُفترض في الفرض والنفل»([10]).

قال الإمام الأوزاعي: مَن أطال قيام الليل هوَّن اللهُ عليه الوقوف يوم القيامة.

اللهم أعنّا على ذِكْرك وشُكرك وحُسن عبادتك.

والحمد لله رب العالمين.



([1]) البخاري 2012، ومسلم 761.

([2]) صحيح أبي داود رقم 1245 ، والجامع الصحيح 1085.

([3]) صحيح البخاري  2010.

([4]) «فضل صلاة التراويح». منشور على موقع الشيخ رحمه الله.

([5]) أخرجه أبو داود وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه، انظر: صحيح أبي داود رقم 1245 ، والجامع الصحيح 1085 ، وإرواء الغليل رقم 447 .

([6]) البخاري 2009، ومسلم 759 .

([7]) صحَّحه العلامةُ الألباني. انظر الصحيحة 831 ،  1903 .

([8]) صححه الألباني في الإرواء 452 . وفي بعض طرقه زيادة ضعيفة، انظر الضعيفة 5348 .

([9]) ابن خزيمة 2212، التعليقات الحسان 5/ 303 ، صحيح الترغيب 993.

([10]) «فضل صلاة التراويح». منشور على موقع الشيخ رحمه الله.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح